ابن حمدون
226
التذكرة الحمدونية
حال الأستاذ الرئيس أبي الفضل - نضر اللَّه وجهه - فيما أرجح اللَّه [ من دينه ] ، وصحّح [ 1 ] من يقينه ، وأجزل من أدبه ، وكرّم من منقلبه . فإنه تعالى ذكره جعله في هذه الدنيا سيدا ، عليّا [ 2 ] قدره ، ساميا خطره ، بعيدا صيته ، وافيا حلمه ، ثاقبا فهمه ، غزيرا علمه ، زاخرا بحره ، فائضا برّه ، وأخرجه عنها عالما بدناءتها ، عازفا عن زخارفها ، صادرا عن شرورها ، صادفا عن غرورها ، منافسا في التي بعدها ، واثقا بجزيل حظَّه منها ، مغتبطا بتأثل محلَّه فيها ، مشوقا إلى ما قدّم وجهّز إليها . وأعطاه من سيدنا الأستاذ الجليل - أيّده اللَّه - خلفا يسدّ مكانه ، ويشيد بنيانه ، ويحفظ معاليه ، ويحرس مساعيه . وهو حريّ أن يجري على تلك الشاكلة ويوفي ، ويسبق فيها ويجلَّي . وكان انصرافه عنه بعد أن رأى فيه سوله ، وبلغ مأموله ، وقرّت عينه باستقلاله ووفائه ، واضطلاعه [ 3 ] وغنائه ، وشاهد فيه المنظر السارّ ، وسكن منه إلى الولد البارّ . وقضى اللَّه عزّ وجلّ بما هو الأولى بهما من تقدّم الأصل وتأخّر الفرع ، ومضيّ السلف وبقاء الخلف ، ووثقنا لذلك بالفوز العظيم فيما صار إليه ، ولهذا بالمنح الجسيم فيما حصل عليه . وتظاهرت مواهب اللَّه في ذلك تظاهرا تكون به المحنة منحة ، والرزية عطيّة ، وإلى اللَّه جلّ اسمه الرغبة في أن يتغمّد الثاوي بأتمّ الرحمة والغفران ، وأطيب التحيّة والرضوان ، ويخير له فيما أقدمه عليه ، ويسعده بما أسرع به إليه ، ويزلفه مراتب الأعيان الأخيار ، ويبوّئه منازل الصديقين الأبرار ، ويعلي شأنه في دار القرار ، كما أعلاه في هذه الدار ، ويتولَّى السيد الباقي الذي يملأ العين قرّة ، والصدر مسرّة ، بامتداد البقاء ، وترادف النعماء ، ويرعاه بعينه اليقظى ، ويدافع عنه بيده الطَّولى ، ولا يخليه من الصنع والتأييد ، والإنافة والمزيد ، ويلهمه الصبر المؤدّي إلى الأجر ، والاحتساب العائد بالثواب ، بجوده ومجده ، وطوله وحوله .